ابن حجر العسقلاني
159
فتح الباري
يسلم فيقول مثلا لو أقمت في تلك الأرض لأصابني ما أصاب أهلها ولعله لو كان أقام بها ما أصابه من ذلك شئ اه ويؤيده ما أخرجه الهيثم بن كليب والطحاوي والبيهقي بسند حسن عن أبي موسى أنه قال إن هذا الطاعون قد وقع فمن أراد أن يتنزه عنه فليفعل واحذروا اثنتين أن يقول قائل خرج خارج فسلم وجلس جالس فأصيب فلو كنت خرجت لسلمت كما سلم فلان أو لو كنت جلست أصبت كما أصيب فلان لكن أبو موسى حمل النهي على من قصد الفرار محضا ولا شك أن الصور ثلاث من خرج لقصد الفرار محضا فهذا يتناوله النهي لا محالة ومن خرج لحاجة متمحضة لا لقصد الفرار أصلا ويتصور ذلك فيمن تهيأ للرحيل من بلد كان بها إلى بلد إقامته مثلا ولم يكن الطاعون وقع فاتفق وقوعه في أثناء تجهيزه فهذا لم يقصد الفرار أصلا فلا يدخل في النهي والثالث من عرضت له حاجة فأراد الخروج إليها وانضم إلى ذلك أنه قصد الراحة من الإقامة بالبلد التي وقع بها الطاعون فهذا محل النزاع ومن جملة هذه الصورة الأخيرة أن تكون الأرض التي وقع بها وخمة والأرض التي يريد التوجه إليها صحيحة فيتوجه بهذا القصد فهذا جاء النقل فيه عن السلف مختلفا فمن منع نظر إلى صورة الفرار في الجملة ومن أجاز نظر إلى أنه مستثنى من عموم الخروج فرارا لأنه لم يتحمض للفرار وإنما هو لقصد التداوي وعلى ذلك يحمل ما وقع في أثر أبي موسى المذكور أن عمر كتب إلى أبي عبيدة إن لي إليك حاجة فلا تضع كتابي من يدك حتى تقبل إلي فكتب إليه أني قد عرفت حاجتك وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم فكتب إليه أما بعد فإنك نزلت بالمسلمين أرضا غميقة فارفعهم إلى أرض نزهة فدعا أبو عبيدة أبا موسى فقال أخرج فارتد للمسلمين منزلا حتى انتقل بهم فذكر القصة في اشتغال أبي موسى بأهله ووقوع الطاعون بأبي عبيدة لما وضع رجله في الركاب متوجها وأنه نزل بالناس في مكان آخر فارتفع الطاعون وقوله غميقة بغين معجمة وقاف وزن عظيمة أي قريبة من المياه والنزور وذلك مما يفسد غالبا به الهواء لفساد المياه والنزهة الفسيحة البعيدة عن الوخم فهذا يدل على أن عمر رأى أن النهي عن الخروج إنما هو لمن قصد الفرار متمحضا ولعله كانت له حاجة بأبي عبيدة في نفس الامر فلذلك استدعاه وظن أبو عبيدة أنه إنما طلبه ليسلم من وقوع الطاعون به فاعتذر عن إجابته لذلك وقد كان أمر عمر لأبي عبيدة بذلك بعد سماعها للحديث المذكور من عبد الرحمن بن عوف فتأول عمر فيه ما تأول واستمر أبو عبيدة على الاخذ بظاهره وأيد الطحاوي صنيع عمر بقصة العرنيين فإن خروجهم من المدينة كان للعلاج لا للفرار وهو واضح من قصتهم لأنهم شكوا وخم المدينة وأنها لم توافق أجسامهم وكان خروجهم من ضرورة الواقع لان الإبل التي أمروا أن يتداووا بألبانها وأبوالها واستنشاق روائحا ما كانت تتهيأ إقامتها بالبلد وإنما كانت في مراعيها فلذلك خرجوا وقد لحظ البخاري ذلك فترجم قبل ترجمة الطاعون من خرج من الأرض التي لا تلائمه وساق قصة العرنيين ويدخل فيه ما أخرجه أبو داود من حديث فروة بن مسيك بمهملة وكاف مصغر قال قلت يا رسول الله إن عندنا أرضا يقال لها أبين هي أرض ريفنا وميرتنا وهي وبئة فقال دعها عنك فإن من القرف التلف قال ابن قتيبة القرف القرب من الوباء وقال الخطابي ليس في هذا إثبات العدوي وإنما هو من باب التداوي فإن استصلاح الأهوية من أنفع الأشياء في تصحيح البدن وبالعكس واحتجوا أيضا بالقياس على الفرار من المجذوم وقد ورد الامر به كما تقدم والجواب أن الخروج